"كيف يبكي شعب إلهه الذي يقتله في كل عام؟" هذا السؤال تجيب عنه نساء "سومر وبابل" اللواتي كان ينطق كل ما فيهن بالحزن والفجيعة بموت إله الخصب "تموز" وهن يحصدن جسده مع حصاد سنابل القمح، يموت أمامهن ويعود للحياة في موسم الخصب التالي مكملاً دورة الحياة تاركاً مسحة من الحزن الإلهي الجليل تسم المنطقة برمتها.
والمرأة الفراتية هي وريث شرعي لذاك الحزن العظيم- الذي استمر التعبير عنه محتفظاً بطابعه الجماعي- ولكن ليس في موسم الحصاد وحده بل مع فقدان كل عزيز، ولعل "المعادة" كانت من أهم طقوس الحزن قسوة وتفجعاً، كتب عنها أدباء الفرات وصورها بعض فناني "الدير" (الصورة الرئيسية هي لوحة للفنان "عبد الجبار ناصيف" بعنوان "المعادة").
للتعرف على هذا الطقس وما يتعلق به من حيثيات التقينا السيدة "سعاد الصالح" التي حدثتنا عنه وعن واللحظات التي تسبقه بالقول: «في حال حدوث أي حالة وفاة كانت تخرج إحدى النساء صائحة "يا ويلي يا ويلي" بأعلى صوتها ثم تجوب أرجاء البلدة حتى تعلم قريبات الميت بالحدث فيتوجهن صوب منزله ويعفرن رؤوسهن بالتراب، ومن الطقوس المرتبطة بالوفاة قص الشعور عند النساء حيث تدخل قريبات الميت إحدى الغرف وتقوم أكبرهن بقص شعور النساء ولكن ليس على درجة واحدة فقد تقص مثلاً من شعر كنتها أكثر مما تقص من شعر ابنتها ثم سرعان ما تقوم "المعادة" في بيت الميت مع توافد القريبات والجارات والمعارف.
و"المعادة" عبارة عن مجموعة من النساء المتشحات بالسواد يشتركن
السيدة سعاد الصالح في ندب الميت وذلك بالاجتماع في حلقة تتوسطها امرأتان ترقصان رقصاً خاصاً بشكل متعاكس وأحياناً رجل وامرأة قد يحملان السيوف، ويمكن أن يستخدم في المعادة الطبل أو الدف مع قصيد تقوله إحدى النساء ويرددن خلفها وهذه المرأة تسمى "القاصودة" وطبعاً تقوم "المعادة" ويكون الميت ما يزال مسجى في فراشه.
وعند خروج الجنازة تسير النساء خلفها حاسرات الرؤوس مولولات وبعد الدفن يعدن الطقس الذي يسمى "المعادة" ويبقين بعد ذلك قرب القبر ما تبقى من النهار ويدوم هذا الوضع من أسبوع إلى ثلاثة أسابيع ويكون طعامهن في هذه الأيام من الخبز واللحم المرسل إليهن من المعارف ويسمي أهل الدير هذا الطعام "غرْفاً"».
وعن المدة التي تقضيها النساء في المعادة قبل انقضائها أجابت: «ليس هناك وقت محدد تستلزمه "المعادة" ولكنها تستمر قرابة الساعة سواء كان ذلك في منزل المتوفى أو عند قبره حيث ترجع النساء من المقبرة بشكل جماعي مع الندب المتواصل».
وعن الصفات التي يجب أن تتمتع بها "القاصودة" تابعت: «أهم تلك الصفات قوة الصوت والقدرة على ابتكار الكلام المؤثر الذي يحمس النساء ويستثير حزنهن والمرتبط
امرأة ثكلى بمنزلة المتوفى وشخصيته والأثر الذي يتركه غيابه في الآخرين.
وعموماً ليس بالضرورة أن تبكي "القاصودة" أو كل معارف الميت لفقدانه فقط بل إن طقس المعادة كفيل باستثارة الآلام والأحزان الدفينة فكل منهن تبكي كل أمواتها لحظة "المعادة" وبالأخص "القاصودة" فبعضهن لكثرة الأحزان في حياتهن صرن يعبرن عن الحزن بطريقة تثير حزن جميع النساء مما يجعل لهن شهرة كبيرة ومنهن "خرمة" التي يذكرها أهل "الدير" رغم مرور سنوات طويلة على وفاتها والكثير من النساء يحفظن شعر الرثاء الذي كانت تقصده في المعادة».
أما عن وجود هذه الظاهرة حالياً فقد قالت: «لم يعد لهذه الظاهرة وجود لأسباب عديدة منها الوعي الديني الذي قضى نسبياً على بعض المظاهر مثل خروج النساء حاسرات وأيضاً بسبب المشقة وذلك بعد انتقال المقابر إلى مكان بعيد عن المدينة مما جعل الدفن والخروج إلى المقبرة مقتصراً على رجال الدير».
أما الباحث "عبد القادر عياش" فقد علق على هذه الظاهرة بقوله: «أرهقت تلك العوامل النفس "الديرية" إرهاقاً شديداً فلا عجب إن رأينا المرأة "الديرية" تبالغ بإظهار حزنها بسبب وفاة عزيز عليها وحتى بسبب وفاة أي قريب لها أو صديق لها أو لأحد أقربائها، مبالغة لا تقف عند حد من حدود الشرع والعقل أو الأخلاق أو مصلحتها الشخصية ومصلحة أبنائها، تنسى كل هؤلاء لتنسجم في دورها الحزين حريصة كل الحرص على أن تؤدي كل ما تتطلبه التقاليد التي لا ترحم وقد تعلمت هذه المراسيم من أمها وجدتها وجاراتها وتخشى أشد الخشية التقصير بشيء منها لكيلا تنتقدها النسوة».
م ن ق و ل